ابن عربي

16

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 50 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 ) الملائكة رسل من اللّه إلى الإنسان ، موكلون به حافظون كاتبون أفعالنا ، والشياطين مسلطون على الإنسان بأمر اللّه ، فهم مرسلون إلينا من اللّه ، فلما شرّك بينهم في الرسالة أدخل تعالى إبليس في الأمر بالسجود مع الملائكة فقال ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) فأدخله معهم في الأمر بالسجود فصح الاستثناء ، وجعله منصوبا بالاستثناء المنقطع ، فقطعه عن الملائكة كما قطعه عنهم في خلقه من نار ، « كانَ مِنَ الْجِنِّ » أي من الذين يستترون عن الإنس مع حضورهم معهم فلا يرونهم ، كالملائكة ، وليس إبليس أول الجن بمنزلة آدم من الناس ، بل هو واحد من الجن ، وإن الأول فيهم بمنزلة آدم في البشر إنما هو غيره ، ولذلك قال تعالى « إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ » أي من هذا الصنف من المخلوقين ، كما كان قابيل من البشر وكتبه اللّه شقيا ، فهو أول الأشقياء من البشر ، وإبليس أول الأشقياء من الجن « فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » وهو قوله تعالى ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) فهو من الفاسقين الخارجين عن أمر اللّه ، فسماه كافرا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 51 ] ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) « ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ » وهو حال الفعل عند تعلق الفاعل بالمفعول ، وكيفية تعلق القدرة الأزلية بالإيجاد الذي حارت فيه المشاهد والعقول ، وكل من رام الوقوف نكص على عقبه ورجع إلى مذهبه ، وقد قال تعالى في أنفسهم وأقدسهم حين قال ( رب أرني كيف تحيي الموتى ) فلما أراه آثار القدرة لا تعلقها عرف كيفية الأشياء والتحام الأجزاء حتى قام شخصا سويا ، ولا رأى تعلق القدرة ولا تحققها ، فقد تفرد الحق بسر نشأة خلقه ونشره ، فإنه ليس في حقائق ما سوى اللّه ما يعطي ذلك ، فلا فعل لأحد